على مشرفة العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين في تقويم الحقبة العامة (تُختصر «ح.ع»، CE بالإنكليزية)، الذي لا يزال يُسمّى «الميلادي» (م) في منطقتنا، حيث يبقى التمييز الديني طاغياً وتتعمّد شتّى الأجهزة المحافظة على تسخير الدين سلاحاً بيد الاستبداد السياسي، على مشرفة هذا العقد الثالث إذاً، وهو العقد الخامس من القرن الخامس عشر في التقويم الهجري، ويأتي بالتالي بعد الهجرة النبوية بحوالي أربعة عشر قرناً من الزمن في التقويمين على حد سواء، ها إن النساء في المملكة السعودية (وليست «النساء السعوديات» إذ إن آل سعود أصحاب المملكة، وليسوا أصحاب الجزيرة العربية وأهلها) يَنعُمنَ بفتح جزئي للقفص الحديدي الذي انغلق في وجههنّ منذ أن سيطرت قوات قبلية موالية لآل سعود على معظم أراضي شبه الجزيرة.

ولا بدّ لأي مراقب لمجريات الأمور في المملكة أن يلاحظ أن الفضل في المكسب الأخير هو لتصعيد نساء المملكة في السنوات الأخيرة لنضالهنّ من أجل حقوقهنّ البديهية، وذلك بتعاقب المبادرات الشجاعة والاحتجاجات الجسورة. وقد أحرج ذلك آل سعود بصورة متزايدة مع تزايد الضغط في هذا المجال من قِبَل الدولة الوصيّة عليهم، قصدنا الولايات المتحدة الأمريكية بالطبع. والحال أن واشنطن، منذ رئاسة جورج دبليو بوش، حادت عن سياستها التقليدية في تدعيم الظلامية في المملكة ضماناً لسيطرة آل سعود، وكلاء مصالحها المحلّيين، وانتقلت إلى الضغط عليهم من أجل تحديث مجتمعهم. تمّ ذلك بعد أن استخلص الوصيّ الأمريكي من صدمة اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 التي نفذّها خمسة عشر مواطناً للمملكة من أصل تسعة عشر رجلاً، يأمرهم مواطنٌ سعودي، استخلص أن مجتمع المملكة بات مصدراً أساسياً لتوليد الإرهاب، ولا بدّ بالتالي من إصلاحه قبل أن ينفجر بالكامل بما يؤدّي إلى نتائج وخيمة.

هذا هو العامل الرئيسي الذي حدا بآل سعود إلى تليين قبضتهم السياسية والقبضة الأيديولوجية لآل الشيخ، شركائهم، بما خلق مناخاً شجّع بعض نساء المملكة على تصعيد ضغطهنّ من أجل رفع الغطاء الثقيل فوق رؤوسهنّ بما يتيح لهنّ التنفّس بعض الشيء. وقد شكّل هذا النضال الباسل، الذي شرعت فيه بضع نساء، إحراجاً متزايداً لآل سعود، لا سيما أن صداه في واشنطن بات مدويّاً من خلال التضامن الواسع الذي حازه والذي لم يعد بإمكان الحكم الأمريكي أن يتغافل عنه في عصر يشهد تصاعداً عالمياً للنضال النسوي التحرّري.

حرص محمد بن سلمان على الظهور بمظهر الحاكم الحداثي يحثّه على محاولة كمّ الأفواه كافة التي تستطيع أن تنسب إجراءات التحديث الجزئي إلى نضال الحداثيين الحقيقيين في مجتمع المملكة

وقد فطن الشاب محمد بن سلمان، الذي طمح في الإمساك بمقاليد السلطة في المملكة مستغلاً شيخوخة والده، إلى أن إجراءات مدروسة في رفع بعض الأثقال عن كواهل نساء المملكة من شأنها أن تبيّض صفحته ليس في الغرب وسائر العالم وحسب، بل داخل المملكة عينها، حيث تجد إجراءات التحرير الجزئي للنساء صدىً إيجابياً كبيراً. والمعلوم أن وليّ العهد السعودي بات بأمسّ الحاجة إلى تبييض صفحته بعد أن تلوّنت بأحمر دماء جمال خاشقجي.

هذا ما يفسّر أيضاً ترافق الإجراءات المذكورة بقمع شديد لكل من ناضل من أجلها، بدءاً بالمناضلات الباسلات اللواتي يقبعنَ في زنزانات المملكة. فإن حرص محمد بن سلمان على الظهور بمظهر الحاكم الحداثي يحثّه على محاولة كمّ الأفواه كافة التي تستطيع أن تنسب إجراءات التحديث الجزئي إلى نضال الحداثيين الحقيقيين في مجتمع المملكة. وهو يسخّر لأجل ذلك جيشاً متخصّصاً في حرب الدعاية على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، يردّ على كل من أشار إلى فضل النساء والرجال الذين يقبعون في سجون المملكة بفيض من شتائم وتعليقات تردّ بالتغنّي بأمجاد وليّ العهد. وقد أشارت تقارير إعلامية في الأسابيع والأيام الأخيرة إلى بعض الأجهزة التي خصّصها لتلك المهمّة وموّلها بسخاء الحكمُ السعودي تحت إشراف ابن سلمان.

يترافق ذلك بالطبع بخوف وليّ العهد من أن تبدو الإجراءات المذكورة على حقيقتها كانتصارات لحراك بازغ في المملكة، بما ينذر بأن تتحوّل الساقية يوماً إلى نهر جرّاف على غرار ما باتت تشهده منطقتنا منذ «الربيع العربي». ويزيد من خطورة ذلك أن الحراك السوداني حقّق انتصاراً تضمّن شقّاً نسائياً بارزاً، إذ تبدأ الوثيقة الدستورية التي جرى التوقيع عليها في الخرطوم صباح يوم الأحد الماضي بالإقرار في ديباجتها «بدور المرأة ومشاركتها الفاعلة في إنجاز الثورة» وتتضمّن في أحد بنودها جملة تعهّدات، منها التزامٌ بأن «تكفل الدولة للرجال والنساء الحق المتساوي في التمتّع بكل الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بما فيها الحق في الأجر المتساوي للعمل المتساوي والمزايا الوظيفية الأخرى» و«تضمن الدولة حقوق المرأة في جميع المجالات وتعزّزها من خلال التمييز الإيجابي» و«تعمل الدولة على محاربة العادات والتقاليد الضارّة التي تقلّل من كرامة المرأة ووضعيّتها». وبذلك يصبح لدى السودان بفضل حركته النسوية المتميّزة نصٌّ دستوري متقدّم في الشأن النسائي ليس عن كافة الدساتير العربية وحسب، بل عن معظم دساتير العالم. وهكذا تضمّ منطقتنا جنباً إلى جنب أكثر بلدان العالم اضطهاداً للنساء، أي المملكة السعودية، وبلد هو السودان، تعمل حركته النسوية الطليعية على تحديثه بصورة جذرية متوخّية بلوغ أرقى المستويات العالمية في المساواة القانونية والفعلية.

كاتب وأكاديمي من لبنان