(1) 

في التَّاسع من يوليو المنصرم (2019م) مرَّت الذكرى الثَّامنة لتطبيق نتيجة استفتاء السُّودانيِّين الجَّنوبيِّين في ما أضحت تُعرف، منذها، بـ "دولة جنوب السُّودان" التي ما لبثت أن غرقت، للأسف، في حرب أهليَّة لا تبقي ولا تذر! ورغم أن الأرقام زعمت، وقتها، أن نسبة التَّصويت لصالح "الانفصال/الاستقلال" بلغت في ذلك الاستفتاء 98.83%، فإن الذِّكرى مرَّت دون ابتهاج شعبي أو احتفال رسمي، الأمر الذي ينطوي، دون شكٍّ، على دلالة لا تخفى. فلولا خشية البكاء على اللبن المسكوب، لقلنا إن النَّدم ما ينفكُّ ينهش ضمائر الكثير من السِّياسيِّين، ومن عموم الانتلجينسيا الجَّنوبيَّة، أولئك الذين دفعوا نحو الانفصال دفعاً، وهللوا له، ثمَّ ما لبثوا أن أفاقوا على مشهد جُّثث الرِّفاق مثقوبة برصاص بنادق الرِّفاق، يعبرها الهواء، كالغرابيل، ومنثورة، تنهشها الضَّواري والجَّوارح عبر شوارع المدن وتعرُّجات الأحراش!

تفادي مآل هذه البكائيَّة، وإيقاف هذا النَّهش للضَّمائر، لن يكون إلا بأن تمتدَّ الأيدي الوطنيَّة الرَّحيمة لتطفئ بؤر اشتعال المزيد من الحرائق، خصوصاً في دارفور والمنطقتين، وحول حزام السَّافانا المرشَّح أكثر من غيره لهذا الخراب، وبالأخصِّ "أبيي" التي جُحِدَت "مشورتها الشَّعبيَّة"، فما أجريت بالتَّزامن مع استفتاء الجَّنوب، كما كان ينبغي، بحسب اتِّفاقيَّة "نيفاشا"، والدُّستور الانتقالي لسنة 2005م الذي انبثق منها! فهل ثمَّة ما يمكن أن يبعث أملاً جديداً في النُّفوس بإمكانيَّة التَّأسيس، خلال الفترة الانتقاليَّة المرتقبة، لسودان جديد موحَّد على أيِّ نحو؟!

(2)
لنبدأ بجنوب كردفان، حيث يفترض الاقتصاد السِّياسي لعلاقات "المسيريَّة ـ دينكا نقوك"، ملاحظة الميل الحادث، وإن ببطء، وإن بتعثُّر، نحو "خرط يد" المسيريَّة، بنظارتيهم الرَّئيستين، العجايرة والفلايتة، من التزام التِّسعينات القديم بالتَّلبية السَّلسة لسياسات المركـز الحـربيَّة، والاتِّجاه، بدلاً من ذلك، لتغليب مصالح المجتمعات المحليَّة، وإيلاء المـزيد من الاهتمـام لضـرورة التَّعايش السِّـلمي بين مكـوِّناتها الإثنيَّة.
في السِّياق أوردت الأنباء، أواخر نوفمبر 2016م، اتِّفاق القبيلتين على سوق مشتركة بمنطقة "أنيت"، لتفعيل تجارتهما الحرَّة، وسط ترحيب المجتمَعين، والالتزام بمواصلة الحوار كمدخل لتأسيس واستدامة سلام اجتماعي أهلي (الميدان؛ 24 نوفمبر 2016م).
هذا "الحلَّ الشَّعبي" الذي أضحى يُعرف بـ "أسواق السَّلام" في "دِفرة" وغيرها، لا يقتصر على ثنائيَّة "المسيريَّة ـ دينكا نقوك"، وإنَّما يتيح دخول كلُّ الكيانات الإثنيَّة الوطنيَّة، شمالاً وجنوباً، وبطول الكيلومترات الـ 750 على امتداد حزام السَّافنا غرباً وشرقاً، حيث قدَّم النَّموذج الملهم على ضفَّتي "بحر العرب"، وفتح أوسع الأبواب لتطوير هذا النَّوع الجَّسور من المبادرات الشَّعبيَّة، على غرار المبادرة الأكبر حجماً، والأوسع طموحاً، والتي كنَّا طرحناها، قبل الاستفتاء، والتفَّ حولها عدد مقدَّر من المواطنين، مفكِّرين، وأدباء، وفنَّانين، وكتَّاب، وصحفيِّين، وناشطين حقوقيِّين، وقادة مجتمع مدني، رجالاً ونساءً، بهدف تأسيس ما أسميناها "كونفيدراليَّة الدَّولتين المستقلتين ـ آدم"، وذلك بأحد احتمالين: فإما أن يقتنع، وقتئذٍ، شريكا "نيفاشا"، وقد كان ذلك ممكناً، نظريَّاً، طالما أن الاتفاقيَّة نفسها نتاج تلاقي إرادتيهما، فيعملان على إلغاء الاستفتاء نهائيَّاً، وتطبيق مقترحات المبادرة بدلاً منه، أو أن يجريا الاستفتاء، كأحد مستحقات الاتفاقيَّة، وتجئ نتيجته لصالح "الانفصال"، فيتوافق الشَّريكان، أيضاً، على تطبيق نفس مقترحات المبادرة، كترتيبات مطلوبة، هذه المرَّة، لما بعد الانفصال، وهو ما سنعيد التَّفصيل بشأنه، في الجزء الأخير من هذه المقالة، ونطرحه كمساهمة نأمل أن تعين من سيتولون سلطة الانتقال.

(3)
لا يمكن للباحث المدقِّق ألاَّ يعود، في هذا الشَّأن، إلى نهايات يونيو وأوائل يوليو 2011م، حين تحوَّلت الحدود بين المجموعتين الجَّارتين، على ضفَّتي "بحر العرب"، من إداريَّة إلى دوليَّة، ينتشر حولها 9 ملايين راع شمالي، و4 ملايين راع جنوبي. وفي ورقته القيِّمة: "الدِّبلوماسيَّة الشَّعبيَّة في المجتمعات الرَّعويَّة: حالة السُّودان وجنوب السُّودان نموذجاً"، يلاحظ علي جمَّاع أنه لم يكن من الميسور للذهنيَّة الرَّعويَّة على جانبي النَّهر أن تستوعب تبعات تلك المستجدَّات، مثلما لم يكن من الميسور، أو حتَّى من المعقول، أن تتحقَّق، لمجرَّد العداء وعدم الثَّقة المتبادلين، رغبة الحكومتين، على الجَّانبين، في أن تنتهي، بضربة واحدة، كلِّ أشكال العلاقات والأنشطة المشتركة، أو أن تتغيَّر سبل كسب العيش، بين ليلة وضحاها، تبعاً للواقع الجَّديد. ضف إلى ذلك أنه ليس لدى الرُّعاة، لا هنا ولا هناك، أدنى استعداد لرؤية قطعانهم ينهشها الجُّوع والعطش، بسبب الارتباك والتَّعويق النَّاجمين عن المناورات السِّـياسـيَّـة لدورات الحـيـاة المـوسـمـيَّـة، فضـلاً عـن إهـدار النُّظم الرَّعويَّة، وإهمال العـوامـل المناخـيَّة، والبيئيَّة، والإيكولوجيَّة
(http://www.pastoralismjournal.com/content/3/1/12).
ويواصل جمَّاع رصده لما حدث، بالنَّتيجة، حيث قرَّ قرار الرُّعاة، على الجَّانبين، لتخطي كلِّ الحواجز الإداريَّة والسِّياسيَّة عبر "الدِّبلوماسيَّة الشَّعبيَّة"، فأمسكت قياداتهم، وقيادات منظمات المجتمع المدني، والشَّباب، والنِّساء، بزمام مبادرة لعقد مؤتمرات سلام قاعديَّة بصرف النَّظر عن موافقة أو عدم موافقة الحكومتين. ومن ثمَّ شهدت أواسط فبراير 2012م "عصف أدمغة" على جانبي الحدود، حيث انعقد بمدينة الميرم، بجنوب كردفان، خلال يومي 14 ـ 15، "مؤتمر المسيريَّة التَّحضيري" الذي صاغ "ورقة تفاوض" تضمَّنت توصيات حول القضايا المرغوب في مناقشتها مع جيرانهم المباشرين، دينكا ملوال، وعلى رأسها "الحفاظ على التَّعايش السِّلمي التَّاريخي بين الطرفين، عبر اتفاقيَّات وبروتوكولات رعويَّة وتجاريَّة، دون اعتبار لإرادة السُّلطات الحاكمة على الجَّانبين. كذلك، وبالنَّظر إلى تردِّي الظروف الإيكولوجيَّة، والبيئيَّة، والمناخيَّة، فإنه ينبغي التَّركيز على تقليل أعداد القطعان، والاهتمام بتحسين نوعيَّتها، وتشجيع سعاية الأنماط الجَّديدة من الماشية غير المترحِّلة، وشبه غير المترحِّلة، لتمكين السُّلالات الأعلى إنتاجيَّة من النَّاحية الاقتصاديَّة، والأكثر قابليَّة للتَّسويق، بما يناسب متغيِّرات الإيكولوجيا، ومتطلبات الحياة شبه غير المترحِّلة؛ ومناشدة الحكومتين بإخلاء الحدود من التَّوتُّرات العسكريَّة، وإتاحة المجال للتَّفاعل الطبيعي والهادئ بين المجموعتين، حيث يستطيعان التَّعامل مع بعضهما البعض بشكل أفضل. أمَّا بشأن الرَّعي، والوصول إلى الماء، وتجارة الحدود، فقد اتُّفق على تفعيل الاتِّفاقات السَّابقة، سواء القائمة على العرف، أو القانون العام، أو أسس الإدارة التَّقليديَّة؛ كما يلزم عقد "مؤتمر السِّلم القاعدي" لدى كلٍّ من المجموعتين، وفي ما بينهما، بوساطة الرُّعاة أنفسهم، مع التَّرحيب بأيِّ تسهيلات تقدمها منظمات المجتمع المدني، أو المنظمات غير الحكوميَّة، أو المؤسَّسات الحكوميَّة، أو الأمم المتَّحدة ". وكان دينكا ملوال قد سبقوا المسيريَّة بأربعة أيَّام إلى عقد مؤتمرهم التَّحضيري في 10 فبراير 2012م، وإلى صياغة موقفهم التَّفاوضي بالمقابل (المصدر نفسه).
لاحقاً، وفي ظروف توتُّر بين الدَّولتين، انعقد المؤتمر القاعدي المشترك العام للمجموعتين بأويل، عاصمة ولاية شمال بحر الغزال الجَّنوبيَّة، من 19 إلى 21 فبراير 2012م، واختتم ببروتوكول مشترك يعبِّر عن أسف الطرفين للحرب، والتزامهم بإنهاء التَّوتُّر، وإزالة مسبِّبات الإعاقة غير المبرَّرة للتَّنمية؛ كما صدرت، بالإجماع، توصيات المؤتمر وأهمُّها تدشين تجارة الحدود؛ وترسيم المسارات الموسميَّة، ومراقبة الحقوق على الأراضي، وخطوط المياه، وحقول الزِّراعة؛ ونزع سلاح الرُّعاة عند اختلاط المجموعتين أثناء موسم الجَّفاف؛ وتشكيل محاكم للفصل في النِّزاعات؛ في مناخ من الاحترام المتبادل، والتَّعايش السِّلمي، وحماية الحقوق، بمنأى عن التَّحيُّزات السِّياسيَّة؛ وحثِّ الشَّباب على دعم السَّلام بالأنشطة والهيئات المشتركة، الرِّياضيَّة والثَّقافيَّة؛ وتشجيع التَّزاوج بين المجموعتين (المصدر نفسه).

(4)
وبعد، لئن كانت تلك أبرز التَّوصيات التي خرجت بها مؤتمرات أهليَّة قاعديَّة محليَّة لأجل تحقيق أهداف محدودة، فإن أهمَّ المقترحات التي يمكن أن تُبنى على ذلك، والتي تتطلبها، في تصوُّرنا، "مبادرة الكونفيدراليَّة" الأكبر، والأوسع، والأشمل للبلدين كليهما، هي:

(1) على المستوى الرَّسمي:
(1/أ) أن تتَّفق الدَّولتان على قيام "اتِّحاد كونفيدرالي" بينهما، أساسه سوق مشتركة، وعملة موحَّدة، وجنسيَّة مزدوجة جزئيَّاً، وعلى أن:
(1/أ/1) تكون لهذا الاتِّحاد أجهزة مشـتركة لخدمـة قضـايا محـدودة يُتفق عليهـا بين الدَّولتين؛
(1/أ/2) تشرف على عمل هذه الأجهزة مفوضيَّة يُتفق على تكوينها بين الدَّولتين؛
(1/أ/3) تكون لهذه المفوضيَّة رئاسة وأمانة عامَّة تداوليَّتان متفق عليهما بين الدَّولتين؛
(1/أ/4) تكون "أبيي"، التي ينبغي أن تتمتَّع، بعد مشورة أهلها، بشكل يُتَّفق عليه من الحكم الذَّاتي، سواء أتبعت إلى الجَّنوب أو إلى الشَّمال، منطقة تمازج، وعاصمة إداريَّة رمزيَّة للاتِّحاد.
(1/ب) وأن يتفق الشَّريكان على تعميم حُرِّيَّات "التَّنقل ـ الإقامة ـ العمل ـ التَّملك"، داخل الاتِّحاد؛
(1/ج) وأن يتفقا، بالنِّسبة لمن لن تشملهم الجِّنسيَّة المزدوجة، على أن تمتنع "الدَّولة السَّلف Predecessor State" عن إسقاط جنسيَّتها عمَّن اكتسبوها أو استحقوها بالميلاد أو التَّجنس، قبل حصولهم على جنسيَّة "الدَّولة الخلف Successor State" بالاختيار، تفادياً لخلق أيَّة حالة "بدون Statelessness"، جرَّاء هذه التَّرتيبات؛
(1/د) وأن يتفقا، بالنِّسبة لمن ستشملهم الجِّنسيَّة المزدوجة، على مراعاة أولويَّة منحها للمجموعتين الآتيتين:
(1/د/1) الشَّــماليين الذيـن ارتبطـت حـيـاة ومصـالـح أجـيـالهـم، عميقـاً، بالجَّـنوب، والجَّنوبيين الذين ارتبطت حياة ومصالح أجيالهم، عميقاً، بالشَّمال، تزاوجوا أو لم يتزاوجوا. إحساس هؤلاء بتهديد ترتيبات الانفصال لحياتهم ومصالحهم قد يؤدي إلى العنف، وربما الحرب.
(1/د/2) القبائل الحدوديَّة بين الدَّولتين، من أقصى الغرب إلى أقصى الشَّرق، ويقدَّر عدد أفرادها بـ 9 ملايين شمالي، و4 ملايين جنوبي، أي قرابة ثلث إجمالي سُّكان الدَّولتين. فإذا علمنا، على سبيل المثال فقط، أن قبيلة المسيريَّة الشَّماليَّة الموزَّعة على 9 أفرع، والبالغ عدد أفرادها زهاء الـ 135 ألف شخص يمارسون الرَّعي، بالأساس، ويمتلكون 10 ملايين رأس من الأبقار التي ترتبط حياتها بالتوغَّل وراء الماء والمرعى، في موسم الجَّفاف، إلى الجَّنوب من "بحر العرب"، بل إلى "بحر اللول"، جنوبي بحر العرب، وصولاً إلى بانتيو، لأكثر من 6 أشهر في السَّنة، وفي مناطق تتبع لقبيلة دينكا نقوك الموزَّعة على 9 أفرع، أيضاً، والبالغ عدد أفرادها زهاء الـ 75 ألف نسمة يمارسون الرَّعي، أيضاً، إلى جانب الزِّراعة، فضلاً عن التِّجارة في مدينة أبيي، لاستطعنا أن ندرك حجم الخطر الذي يمكن أن ينجم، غداً، عن مجابهة الرُّعاة المسيريَّة لحقيقة عدم استطاعتهم ممارسة "رحلتهم الجَّنوبيَّة" هذه بسبب حظرها غير المستبعد، فجأة، من جانب حكومة "الدَّولة المستقلة" في الجَّنوب!
صحيح أن القاعدة المرعيَّة في القانون الدَّولي، وقد نبَّه إليها قرار تحكيم أبيي في لاهاي، بصرف النَّظر عن مدى مقبوليَّته لدى أيٍّ من الطرفين، هي أن القبائل الحدوديَّة ينبغي ألا تضار من أيِّ ترتيبات بين دولتين! لكن هذه القاعدة التي تُنطق بكلمات قلائل، وفي عبارة موجزة، قد يحتاج تطبيقها إلى سنوات، وربَّما عقود، من التَّفسير، والتَّقاضي، والجُّهود الدِّبلوماسيَّة، واللجوء إلى منظمات إقليميَّة ودوليَّة، الأمر الذي لا يُتصوَّر أن يتحمَّل المسيريَّة انتظار نتائجه، وهم ينظرون إلى الآثار الكارثيَّة المدمِّرة لحرمان قطعانهم من الماء والكلأ، علماً بأنها لا تمثِّل، بالنسبة لهم، ثروة ماديَّة، بقدر ما تمثِّل قيمة معنويَّة؛ فتنفتح، هنا أيضاً، ذريعة أخرى للحرب!

(2) على المستوى الشَّعبي:
(2/أ) أن يجري دفع شعبي واسع، في كلا الدَّولتين، باتِّجاه تحجيم الانفصال، ومحاصرته في مستوى "قمَّة الهرم"، بحيث لا تتأثر به "قاعدته" إلا في أدنى الحدود.
(2/ب) ولأجل هذا يتمُّ استنهاض حركة واسعة تستوعب النَّشاط المدني الهادف، في كلا الدَّولتين، لتوحيد الطموحات الشَّعبيَّة، وتوجيهها نحو غايات واحدة.
(2/ج) في هذا الإطار، ولأجل الدَّعم النفسي بهذا الاتجاه، يجري تنسيق جهود الاتِّحادات الدِّيموقراطيَّة لعمَّال البلدين، ومهنييهما، ونسائهما، وطلابهما، ورياضييهما، وما إلى ذلك، بالأخص على صعيد التَّمثيل الخارجي.

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.